خ menu auto_mode + font_download -
# نعمة الأمن ووحدة الصف (وجوب استشعارها وكيفية شكرها) – خطبة الجمعة 27-3-1447هـ إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلّمَ تسليمًا كثيرًا، أمّا بعدُ: فاتّقُوا اللهَ عبادَ اللهِ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران:[102]. أيُّهَا المؤمنُونَ: جعلَ اللهُ عزَّ وجلَّ لِقِيَامِ الدُّوَلِ وَصُمُودِهَا، وَعِزَّتِهَا وَشُمُوخِهَا، أَسْبَابًا لا تَتَغَيَّرُ، وَسُنَنًا لا تَتَبَدَّلُ، فَلا تَقومُ الدُّولُ إلا عِنْدَمَا يَجْتَمِعُ الْعِلْمُ والقوَّةُ، والحقُّ والنُّصْرَةُ، وتَتَّحِد الْجَمَاعَةُ على السَّمْعِ والطَّاعَةِ لِوُلاتِهِمْ والنُّصْرَةِ والتَّأْيِيدِ لِبلادهم، قَالَ تَعَالَى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) الفتح: [23]. عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا كَانَت الدُّوَلُ إِنَّمَا تَقُومُ عَلى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَوَحْدَةِ الْكَلِمَةِ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّ زَوَالَهَا سَبِيلُهُ التَّفَرُّقُ والاخْتِلافُ، وَلِذَا حَذَّرَ الإسْلامُ مِنْ كُلِّ سَبِيلٍ يُؤَدِّي لِتَفْرِيقِ الأُمَّةِ وَإِضْعَافِ وَحْدَتِهَا، وَكَسْرِ شَوْكَتِهَا، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) الأنعام:[159] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما:(الْجَمَاعَةُ الْجَمَاعَةُ إِنَّمَا هَلَكَت الأُمَمُ الْخَالِيَةُ بِتَفَرُّقِهَا أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ عزَّ وجلَّ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ (حَبْلُ اللهِ: الْجَمَاعَة). أيُّهَا المؤمنُونَ: والشِّقَاقُ وَالنِّزَاعُ دَاءٌ عضَالٌ حَذَّرَنَا مِنْهُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِقَوْلِهِ: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال: [46] وَهَذَا الدَّاءُ ابْتُلِيَتْ بِهِ كثيرٌ من البلاد الْإِسْلَامِيَّةِ، وهُوَ أَثَرٌ مِنْ آَثَارِ الْإِعْرَاضِ عَن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ والشُّحِّ الْمُطَاعِ، والْهَوَى الْمُتَّبَع، والْإِعْجَابِ بِالنَّفْسِ وإِيثَارِ مَا هُوَ أَدْنَى عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ، وعَاقِبَةُ النِّزَاعِ لَا تَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ، فسبيلُها الْفَسَادُ والْإِفُسَادُ، ونِهَايَتُهَا الْهَلَاكُ والْخَرَابُ، قَالَ تَعَالَى: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) المؤمنون: [53]. عِبَادَ اللهِ: والتَوْحِيدُ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي لأَجْلِهَا أرسل اللهُ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَمِْن لَوَازِمِ التَّوْحِيدِ: تَحْقِيقُ الأَمْنِ، فَقَدْ رَبَطَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالأَمْنِ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ) أَيْ: بِشِرْكٍ (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام: [82]. والأَمْنُ عِبَادَ اللهِ: نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَتَأَتَّى بِالاسْتِجَابَةِ لأوامرِهِ سبحانه وَلُزُومِ مَنْهَجِهِ وَالاقْتِدَاءِ بِنَبِيِّهِ، وَطَاعَةِ وُلاةِ الأَمْرِ، وَلُزُومِ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، وَالالْتِفَافِ حَوْلَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء [93] وقال ﷺ: (الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالفُرْقَةُ عَذَابٌ) أخرجه أحمد (18472) وحسنه الألباني (667) . وَقَدْ أَدْرَكَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ هذا المَعْنَى فَكَانُوا كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ تَحَطَّمَتْ عَلَى تَوْحِيدِهِمْ وَوَحْدَتِهِمْ جَمِيعَ المَكَائِدِ وَالمُؤَامَرَاتِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّهَا حَبْلُ اللهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ وَإِنَّ مَا تَكْرَهُونَ في الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ). أيُّهَا المؤمنُونَ: وَقَدْ جَرَتْ سُنَّةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ النِّعَمَ تَدُومُ بِشُكْرِهَا، وَتَزُولُ بِكُفْرِهَا، قَالَ تَعَالَى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم: [7]. وَحَقُّ نِعْمَةِ الأَمْنِ: مَعْرِفَةُ قَدْرِها، وأداءُ شُكْرِها، والحذَرُ من جَحْدِهَا أو إِلْفِهَا، فبالأَمْنِ تُصَانُ الأَعْرَاضُ، وتُحْفَظُ الأَمْوَالُ، وتَصْلُحُ الأَحْوَالُ، وتَسْتَقِرُّ الْبِلادُ وَالْعِبَادُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آَمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا) أخرجه الترمذي (2364) وصححه الألباني. عِبَادَ اللهِ: إِنَّ شُكْرَ نِعْمَة الأَمْنِ يَظْهَرُ وَاضِحًا جَلِيًّا فِيمَا يَقُومُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مِنْ حُبٍّ لِهَذَا الْوَطَنِ مَقْرُونًا بِالْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ وَحِمَايَةِ سَفِينَةِ الْوَطَنِ مِنْ خُرُوقَاتِ الْفَسَادِ وَاعْتِدَاءَاتِ المُفْسِدِينَ، وَاحْتِرَامِ الأَنْظَمَةِ، وَالْحِفَاظِ عَلى مُقَدَّرَاتِ وَمُكْتَسَبَاتِ هَذَا الْبَلَدِ، وَالمُسَاهَمَةِ الْفَاعِلَةِ في الْبِنَاءِ وَالنَّمَاءِ، وَالدِّفَاعِ عَن الْوَطَنِ بِكُلِّ وَسِيلَةٍ مُتَاحَةٍ. أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال: [63]. بَارَكَ اللهُ لَي ولكم فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْآَيَاتِ وَالْحِكْمَةِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الخُطْبَةُ الثَّانِيَة: الْحَمْدُ للهِ ربِّ الْعَالمِينَ، هَدَانَا بِفَضْلِهِ إلى دِينِهِ الْقَوِيمِ، فَبَيَّنَ لنَا السُّبُلَ، وشَرَّفَنَا بِخَيْرِ الرُّسُلِ، ورَفَعَنَا بِالقُرْآنِ إلى أَعْلَى المُثُل، وَأَشْهَدُ أَلّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ إلى يومِ الدِّينِ، أمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ واعلموا أن مِنْ أَسْبَابِ الأَمْنِ: بعدَ تَوْحِيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ وطَاعتِهِ: طَاعَةَ وُلاةِ الأَمْرِ، وَأُولِي الْعِلْمِ، ومعرفةَ قَدْرِهِمْ، وجَمْعَ الْقُلُوبِ عَلَيْهِمْ، والحذرَ مِنْ نَبْذِهِمْ بِالْقَوْلِ أو الْفِعْلِ، قَالَ تعالَى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) الأنفال: [46].  وإنَّ عينًا مبصرةً، ونظرةً منصفةً، لا تَكَادُ تُمَارِي في أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رَفَعَ شَأْنَ هَذِهِ البِلاد لمّا رَفَعَتْ رايتَهُ، وحَكّمَتْ شريعتَهُ، فَرَفَعَهَا اللهُ إلَى مَصَافِّ الأمَمِ ومُقَدّمَةِ الدُّوَلِ، فَحَرِيٌّ بِنَا لُزُومُ هَذَا المنْهَجِ، وَالْحِفَاظُ عَلَيْهِ والدَّعْوَةُ إلِيْهِ، والدِّفَاعُ عَنْهُ. أَسْأَلُ اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ يَعْمُرَ بِلادَنا، وبلادَ الإِسْلامِ بِالأَمْنِ والإِيمَانِ، والسَّلامَةَ والإِسْلامِ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمشْرِكِينَ، وانْصُرْ عِبَادَكَ الموَحِّدِينَ، اَللَّهُمَّ أمِّنا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، اللهم وَفِّق وَلِيَّ أَمْرِنَا خادمَ الْحَرَمَيْنِ الشريفينِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وِإِخْوَانَهُ وَأَعْوَانَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ، وَسَلِّمْهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَشَرٍّ. اللَّهُمَّ احْفَظْ رِجَالَ الأَمْنِ، والمُرَابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ هذَا الْجَمْعَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمؤْمِنَاتِ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِهِمْ، وآَمِنْ رَوْعَاتِهِمْ وارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ في الجناتِ واغْفِرْ لَهُمْ ولآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، واجْمَعْنَا وإيَّاهُمْ ووالدِينَا وإِخْوَانَنَا وذُرِّيَّاتِنَا وَأَزْوَاجَنَا وجِيرَانَنَا ومشايخنا وَمَنْ لَهُ حَقٌّ عَلَيْنَا في جَنَّاتِ النَّعِيمِ. الجمعة 27 /3/ 1447هـ ### عدد الخطب 235